الغزالي

190

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

36 - باب : في النّفخ « 1 » والفزع « 2 » والحشر من المقابر قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن ، وحنى الجبهة ، وأصغى بالأذن ينتظر متى يؤمر فينفخ ؟ » . قال مقاتل : الصّور هو القرن ، وذلك أن إسرافيل عليه السلام واضع فاه على القرن ، كهيئة البوق ، ودائرة رأس القرن كعرض السماوات والأرض ، وهو شاخص ببصره نحو العرش ، ينتظر متى يؤمر فينفخ النفخة الأولى ، فإذا نفخ صعق « 3 » من في السماوات ومن في الأرض ، أي مات كلّ حيوان من شدّة الفزع ، إلا من شاء اللّه ، وهو جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت . ثم يأمر ملك الموت أن يقبض روح جبريل ، ثم روح ميكائيل ، ثم روح إسرافيل ، ثم يأمر ملك الموت فيموت ، ثم يلبث الخلق بعد النفخة الأولى في البرزخ أربعين سنة ، ثم يحيي اللّه إسرافيل ، فيأمره أن ينفخ في الثانية فذلك قوله تعالى : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ « 4 » على أرجلهم ينظرون إلى البعث . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « حين بعثت أتى صاحب الصور فأهوى به إلى فيه ، وقدّم رجلا وأخّر أخرى ، ينتظر متى يؤمر بالنفخ ، ألا فاتّقوا النفخة » . فتفكّر في الخلائق وذلّهم وانكسارهم واستكانتهم « 5 » عند الانبعاث خوفا من هذه الصعقة ، وانتظارا لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة ، وأنت فيما بينهم منكسر كانكسارهم ، متحيّر كتحيّرهم ، بل إن كنت في الدنيا من المترفين ، والأغنياء المتنعّمين فملوك الأرض في ذلك اليوم أذلّ أهل أرض الجمع ، وأصغرهم وأحقرهم ، يوطؤون

--> ( 1 ) النّفخ : بعث الريحّ من الفم لاحداث الصوت وهذا ما يقوم به إسرافيل عليه السلام . ( 2 ) الفزع : تقول : فزع فلان فزعا : نقبض ونفر من شيء مخيف ، وفزع بكسر الراء : خاف وذعر . ( 3 ) صعق : هلك كل من في السماوات والأرض من الانس والجن والحيوان . ( 4 ) سورة الزمر ، الآية : 68 . ( 5 ) استكانتهم : ضعفهم وذلهم .